محمد بوبكري

الأطفال والتفلسف

03/04/2019 20:38

يفصل بعض الناس بين مختلف الحقول المعرفية ويقيمون جدرانا شاهقة وسميكة بينها، لعدم فهمهم طبيعة هذه الحقول ولغياب إدراك ما يمكن أن يجمع بينها من علاقات وتكامل...

bobmoha@hotmail.com
الأطفال والتفلسف

محمد بوبكري. 3 أبريل 2019.

يفصل بعض الناس بين مختلف الحقول المعرفية ويقيمون جدرانا شاهقة وسميكة بينها، لعدم فهمهم طبيعة هذه الحقول ولغياب إدراك ما يمكن أن يجمع بينها من علاقات وتكامل... وهكذا، فهناك من يفصل فصلا تاما بين الأدب والعلوم، وبين الفيزياء والكيمياء، وبين الأدب والفلسفة، وما إلى ذلك. بل إن هناك من لا يقبل بممارسة التفلسف من لدن الأطفال رغم أنهم يطرحون بعض الأسئلة الوجودية في سن مبكرة...

وانسجاما مع ذلك، كرس الأستاذ الأمريكي Mathew Lipman أعماله في القرن العشرين لتطوير ممارسة التفلسف مع الأطفال. وقد بدأت هذه الممارسة في التطور في فرنسا منذ بضعة عقود، حيث دعا "جاك دريدا" Jacques Derrida وآخرون منذ سبعينيات القرن الماضي إلى "التفلسف خارج الأسوار"، وخلق ممارسة فلسفية قبل السنة النهائية من التعليم الثانوي، وكذلك خارج المدرسة. ومع ذلك، لم تحظ هذه المسألة بالاهتمام في فرنسا إلا منذ بضع سنوات، حيث تم تشكيل لجن للقيام بتجارب في هذا الاتجاه. وبالرغم من اعتراض بعض الأطراف على هذا الأمر، فقد أجريت تجارب عديدة، وصدرت بحوث ودراسات في هذا الشأن... وهكذا، ظهرت ثلاثة اتجاهات لممارسة الفلسفة مع الأطفال:

- اتجاه "سيكولوجي" أو "تحليل نفسي" يركز على ضرورة أن يكتشف التلميذ نفسه أنه "ذاتٌ مفكرة" تحمل أسئلة ميتافزيقية مؤسسة لشرط وجوده باعتباره كائنا بشريا.. وليست الأسئلة التي يطرحها الطفل على ذاته أسئلة خاصة بالكبار، كما يواجهه بذلك، في الغالب، راشدو محيطه، إذ من الممكن أن يطرحها على نفسه، إذا توفر له فضاء للتعبير الحر... وينبغي، حسب هذا الاتجاه، أن يتدخل الراشد قليلا، ويفسح للطفل مجال التعبير الحر...

- اتجاه "التربية على المواطنة" الذي يدعو إليه أساسا المتأثرون بكل من التيارات البيداغوجية المتشبعة بفكر فريني Freinet والتربية الجديدة. ويركز هذا الاتجاه على الطابع الديمقراطي للتفاعلات الفلسفية وعلى الوظائف التي يمكن أن يزاولها التلاميذ خلال المناقشات فيما بينهم وتدبيرهم لتعلٌّمهم...

- اتجاه "فلسفي" يركز على المقتضيات الفكرية المتأصلة في الخطاب الفلسفي، حيث يضمن المدرس هذه المتطلبات، ويمكنه أن يتدخل كثيرا خلال المناقشة لمساعدة التلاميذ على اكتساب الصرامة الفكرية...
يشكل الحديث عن ممارسة التفلسف مع الأطفال تجديدا بيداغوجيا يقلب كل التمثلات التقليدية حول تدريس الفلسفة، إذ هناك من يعتقد أن الأطفال عاجزون عن ممارسة التفلسف. لكن، هل هم كذلك؟

إن مناقشة موضوع فلسفي غير كافية فعلا للتفلسف، إذ يتطلب الأمر صرامة فكرية وقدرات محددة... ويلخص ميشيل طوزي Michel Tozzi هذه الخصوصية في متطلبات ثلاثة:

- الأشكلة problématisation، وهي الوعي برهانات السؤال المطروح، والقدرة على تطوير الفرضيات والتمحيص وتحليل البيات والأفكار المرتبطة بهذه الإشكالية موضوع التفلسف ونتائج الأفكار المتوصل إليها وامتداداتها...؛

- المفهمة conceptualisation، وتعني إجمالا تعريفَ ما نتحدث عنه، كحصر ما نفهمه، على سبيل المثال، من كلمات، مثل "حرية"، أو "صداقة"، أو "حب"...؛

- الحجاج argumentation، ويعني تعليل ما نقوله بمثال، أو مثال مضاد، أو تحليل منطقي، أو برهنة... (Michel Tozzi).

لا يكفي، في الفلسفة، أن نقول ما نفكر فيه، بل ينبغي التفكير في ما نقوله. ومن الضروري دائما الحفاظ على المقتضيات الفكرية باعتبارها خيطا رابطا بين الأفكار والحصص الدراسية...

وهنا يطرح السؤال حول كيفية تمكين الأطفال من الاستجابة للمتطلبات السالفة الذكر، والأدوات والوسائل التي ينبغي تزويدهم بها، إذ التفلسف قابل للتعلم.

لقد بين بيير بورديو Pierre Bourdieu أن القدرة الفكرية والملكات وما يسمى بـ "الموهبة" و"الذوق" و"الاستعداد" ليست هبة من الطبيعة، وإنما هي نتيجة لمسلسل طويل تتداخل عبره مختلف التأثيرات الأسرية والاجتماعية والثقافية على الإنسان. وبتجاهل هذه العوامل والعمليات، تطلب المدرسة من التلاميذ قدرات لا تكسبهم إياها. وبهذا فهي تعمق اللامساواة الاجتماعية..,

وينطبق الأمر نفسه على التأمل الفلسفي الذي يقتضي بدوره كفايات غير فطرية تتطلب تعلما طويلا.. ويبدو أن المؤسسة المدرسية تتجاهل هذا الأمر، مما يفسر صدمة الكثير من تلاميذ الباكالوريا أمام متطلبات هذه المادة الدراسية. لقد أشار "ميشيل طوزي" إلى هذا الأمر منذ أكثر من عشرين عاما، إذ قال إن صيغة تدريس الفلسفة قد تطورت قليلا، حيث يكون التلاميذ، عموما، في البداية محفزين بأمل التعبير عن قضايا وجودية خلال حصة درس الفلسفة، لكن سرعان ما يتم صدهم عن ذلك بفعل طغيان ممارسة المدرس لأسلوب المحاضرة على حساب انتظاراتهم وأسئلتهم ومشاركتهم...، من جهة، وصعوبة النصوص الفلسفية، من جهة ثانية. ومع ذلك، فهم ينجحون في امتحان الباكالوريا رغم حصولهم على معدل غالبا ما يكون منخفضا في مادة الفلسفة. ويعاني المدرسون مع تلاميذ التعليم التقني، بالخصوص، حيث لا يمتلك هؤلاء مؤهلات لغوية وثقافية تمكنهم من تلبية متطلبات الدرس الفلسفي، مما يجعلهم يفضلون أن يلقي المدرِّسُ درسَه عليهم، إذ تغيب المناقشة والعمل في المجموعات...(2005).

يمكن للفلسفة، باعتبارها مادة دراسية، أن تجري الكثير من البحث في كيفية توفير شروط الاستئناس بتدريسها بشكل مبكر بهدف اكتساب الأطفال للصرامة الفكرية، وتناول الأسئلة الميتافيزيقية...، وذلك حتى وإن لم يكونوا في حاجة إلى توجيهات تربوية للشروع في طرح هذه الأسئلة. وإذا كنا نأمل دمقرطة تدريس هذه المادة الدراسية خصوصا والتعليم عموما، فينبغي أن نمتلك القدرة على تزويد التلاميذ منذ سن مبكرة بالأدوات اللغوية والثقافية ومختلف المؤهلات والقدرات التي تمكنهم من تلبية المتطلبات الخاصة لهذه المادة الدراسية. وهكذا، فالاستئناس بالفلسفة والتعلم المبكر للصرامة الفكرية والتأمل هما وحدهما اللذان يمكن أن يمكنا المؤسسة التعليمية من ربح الرهان.

يمكن للنص الأدبي أن يلعب الدور نفسه الذي يلعبه النص الفلسفي في تطور الفكر. ولا يعود ذلك فقط إلى أن الأدب يدفع إلى التفكير، ولكن إلى "أنه هو ذاته يفكر " (Pierre Machery, 1990).

وتبعا لذلك، يشكل النص الأدبي دعامة مهمة لتعلم التفلسف. وفعلا، فالطفل، في تلعثم فكره التأملي وتردده، لا يعرف الخروج من ذاتيته ولا يقدر على ذلك، كما أن تجربته في الحياة تكون محدودة... ولهذا ينبغي تزويده بالأدوات والقدرات لصقل تحليله وتحريره من وجهة نظره الخاصة الوحيدة المنغلقة... ويمكن للأدب أن يخرجه من تمركزه حول ذاته، ذلك أنَّ الخيال الأدبي لا يخون الواقع ولا يشوهه، بل ينفذ إلى أعماقه ويكشف عنها... فهو يشيٌِد جسرا بين التجربة الخاصة التي يحول طابعها الحميمي جدا دون اتخاذ الحذر ودون التحليل وبين المفهوم الذي يمكن، نظرا لبرودته، أن يضر بالمشاركة الشخصية ويعيقها. لقد دعا Pierre Macherey في كتابه "في أي شيء يفكر الأدب؟" إلى ضرورة تطوير فكرة الأدب هذه باعتبارها "تجربة للحقيقة"، إذ يرى أنه يعود إلى النص الأدبي "التعبير عما هو فلسفي في الفلسفة".

للأدب والفلسفة طريقان مختلفان لكنهما متكاملان، إذ تقترح الفلسفة جعل المرئي لا مرئيا عبر تحويل الواقع إلى مفهوم. أما الأدب، فيجعل اللامرئي مرئيا عبر تجسيد الفكرة في حكاية. وهكذا يمكن للمصادر والمراجع الأدبية أن تمكن التلميذ من الاستيعاب الجيد لمعنى الأسئلة المطروحة ورهاناتها... إنها تضع المشكلة، بطريقة أو بأخرى، على مسافة جيدة بين الاقتراب كثيرا من التجربة الشخصية التي تحول دون اتخاذ الحذر ودون التأمل، من جهة، وبين الابتعاد كثيرا عن الواقع الذي تفرضه برودة المفهوم التي يحول دون المشاركة والانخراط في التفكير، من جهة ثانية.

إننا لا نسعى إلى محو الاختلاف بين الأدب والفلسفة، بل إلى التخلص من الهرمية أو التراتبية الذي بناها بينهما تاريخيا أفلاطون وكانط Kant . يفكر الأدب كالفلسفة، لكن بصيغة الحكي؛ فالكاتب يختار إراديا الاستعارة للتفكير والقول. ومن المفضل استعمال مصطلح "القصد" عوض مصطلح "الرسالة"، لأنه قوي جدا؛ حيث يقصد الكاتب، عبر حكي قصة متخيلة، التعبير عن كونية الوضع البشري، والكشف عن رؤية يمكن أن تنيرنا حول هويتنا وموقعنا في العالم... فلا ينفلت هذا المضمون من مؤلِّفها، ولا يقال بدون علمه. إنه يفترضه شكلا ومضمونا في الآن نفسه (Edwige Chirouter, 2007).

إذا كان هيدجرHeidegger يدافع عن أن الأدب يحتوي ضمنيا، تقريبا عن غير قصد، على دلالة فلسفية يستطيع الفيلسوف وحده كشفها (philippe Sabot, 2002)، فإن ريكور يمنح النص الأدبي خاصية التخمين الفعلية...، إذ يرى أن الأدب ليس بحاجة إلى الفلسفة للتحقيق الكامل لهذا البعد الوجوديontologique .

وبما أنه يشكل إمكانية مضاعفة لخلق تجارب نموذجية ودالة على حقيقة أو حقائق العالم، فهو يشكل فضاء مستقلا للفكر. فلا تأتي الرواية لتجسيد أطروحة فلسفية سابقة عليها أو توضيحها، بل إنها تشكل فكرا متكاملا قائما بذاته (P. Ricoeur, 1991).

يكشف لنا الأدب عن شكل معين من حقيقة الواقع. وقد عبر جيروم برونر Jerome Bruner في "لماذا نحكي القصص لأنفسنا؟" عن المفارقة الكامنة في الأدب، حيث يمدنا الخيال بإمكانية اكتشاف جوهر الواقع، حيث يقول: "يخلق الخيال عوالم ممكنة، لكنها مستقاة من العالم الذي نعرفه، وذلك مهما بدت بعيدة عنه. إن فن الممكن محفوف بالمخاطر، وهو يرتكز على العالم المألوف عندنا، فيحوله، بما فيه الكفاية، إلى عالم غريب عنا، لكي نميل إلى اللجوء إلى عالم ممكن آخر يوجد خارج حدوده. إنه راحة وتحدٍّ في الآن نفسه. وفي النهاية، فالخيال قدرة على تغيير عاداتنا تجاه ما نراه هو الواقع، وما نعتبره قاعدة ونموذجا" (2005).

وهكذا، عندما نريد الانفلات من الواقع عبر الانغماس في قراءة رواية، فهي ذاتها ترجعنا إلى واقعنا الخاص عبر جعلنا نراه من منظور مختلف. فالهروبُ الكبير إلى عالم متخيل يعيدنا إلى الواقع، لكنه واقع تمت إعادة النظر فيه في ضوء الخيال الذي قلب حقائقنا. فحتى في عالم الأحلام الرائع (عالم الأساطير) يمكن أن تقال حقيقة حول العالم. "إن التجارب الفكرية التي نقوم بها في المختبر الكبير للمتخيل هي أيضا استكشافات تتم في مملكة الخير والشر" (Paul. Ricoeur, 1990). ويمكن لهذا الكلام أن يصير أكثر سعة ورحابة بقول: لا يمكن اختزال فكر الحكاية في حقل الأخلاق l’éthique، بل إنه يتطرق إلى حقل الميتافيزيقا برمته (Edwige Chirouter, 2007).

لا أرمي من وراء هذا الكلام إلى تعويض تدريس الفلسفة بتدريس الأدب ولا إلى إلغاء الفلسفة لصالح الأدب، وإنما أرمي إلى جعل الأطفال يمارسون التفلسف باكرا عن طريق دراسة النصوص الأدبية، لأنه يمهد لهم السبيل لدراسة النصوص الفلسفية لاحقا، ويمكنهم من تطوير خيالهم واكتساب الصرامة الفكرية...

Vous ne pouvez pas poster de commentaire.