التَعَلُّمُ والنِّسبية: Administrator User
Administrator User

التَعَلُّمُ والنِّسبية

07/04/2015 15:17

لقد اعتقد الفيزيائيون، في أواخر القرن التاسع عشر، أنهم استكملوا اكتشاف كل القوانين الفيزيائية، حيث صرَّح عالم الفيزياء الشهير اللورد كيلف (Lord Kelvin)قائلا:...

التَعَلُّمُ والنِّسبية

محمد بوبكري

 

لقد اعتقد الفيزيائيون، في أواخر القرن التاسع عشر، أنهم استكملوا اكتشاف كل القوانين الفيزيائية، حيث صرَّح عالم الفيزياء الشهير "اللورد كيلفن" Lord Kelvin قائلا: "تشكل العلوم الفيزيائية اليوم مجموعة منسجمة كليا ومكتملة عمليا". وأضاف مستطردا إن هناك فقط مسألتين صغيرتين مزعجتين لم يتم حَلُّهما بعد. ولم يكن لديه أدنى شك بأن هاتين المسألتين سيتم التغلب عليهما وإزاحتهما من الطريق سريعا بفضل النجاحات الكبيرة التي تم إحرازها في مجال العلوم الفيزيائية أنئذ.

وقد أدى البحث لاحقا في هاتين المسألتين الصغيرتين إلى اكتشاف ما يسمى اليوم بنظرية "النسبية" و"فيزياء الكمَّات" Physique quantique. وهذا ما أدى إلى إعادة النظر في القاعدة المنطقية لأرسطو المسماة بـ "قانون الثالث المرفوع" الذي تقول صيغته إنه ليس هناك وسط بين الوجود واللاوجود. وتبعا لذلك، فإذا كان هذا القانون يرفض وجود الشيء ونقيضه، فقد أصبح ممكنا مع هذا الاكتشاف أن يكون الشيء شيئين متناقضين في آن واحد.

ومن فوائد هذا الاكتشاف أنه يُعَلِّمنا تقبل المجهول والغامض، والقبول بوجود أسئلة بدون أجوبة قطعية، كما أنه يجعلنا نتقبل كذلك وجود أساليب جديدة للعيش والتفكير في ظروف أفضل، ما يشكل ضرورة حياتية في زمننا.

وعندما ننظر إلى ما يجري في مدرستنا من زاوية هذا الاكتشاف، نجد أنها نادرا ما تمنح المتعلمين فرصة لتعلم هذا الأسلوب من التسامح، وقبول أن هناك وقائع غير قابلة للفهم المطلق، وأن هناك أسئلة ليست لها بالضرورة أجوبة صائبة أو خاطئة قطعا. إن المعرفة المدرسية عندنا يقينية، حيث تعتقد مدرستنا أن مصلحة التلميذ تقتضي تجنب الغموض واللايقين.

لكننا عندما نتأمل في طبيعة فعل التعلم، نجد أنه يقتضي معرفة كيفية تقبل الغموض والشك واللايقين، حيث إنه تلك الحالة التي نمر بها منذ بداية الانخراط في اكتشاف المعرفة الجديدة، التي لم نفهمها بعد، وصولا إلى اللحظة التي نستوعبها فيها نسبيا، إذ إن ما نتعلمه لا يمكن اختزاله فيما نفهمه فورا، كما أن فهمنا له لا يكون مطلقا.

لقد بَيَّن كارل بوبر Karl Popper أن معيار الطرح العلمي لا يكمن في حقيقته، بل في قابليته لوجود دليل معاكس له، وإمكان نقده بأساليب علمية. ويعود ذلك إلى أن الاكتشافات العلمية الحديثة قد بينت أن المعرفة العلمية متطورة باستمرار، إذ تتجاوز معرفة اليوم معرفة الأمس، إن لم تقطع معها وتكشف عن خطئها. أضف إلى ذلك أننا لا نمتلك معيارا عاما للحقيقة، حيث إن هذه الأخيرة تعني مطابقة الخطاب للواقع، لكن ليس لدينا معيار موضوعي عام يُمَكِّنُنَا من التأكد من مطابقة خطاب معين للواقع.

إننا لا نهدف من وراء هذا الطرح إلى الإقرار بفشل العلم، بل نريد أن نقول إن العلم لا يقبل اليقين، وأن الطريقة الوحيدة للتأكد من قيمة طرح علمي معين هي نقده. وقد يظل الطرح قائما طالما أن النقد لم يبطله. وهكذا، فليست هناك حقائق مطلقة في العلم، وإنما هناك فقط فرضيات مؤقتة.

لقد ولَّى زمن اليقين والإيمان المطلق بأن معيار الطرح العلمي هو حقيقته، وانقرضت معه الإيديولوجية العلموية. وأكد تطور العلم ذاته أن يقين اليوم هو موضوع شك غدا، وأن تطور المعرفة رهين بتوفر إمكانية نقد مسلمات الأمس واليوم. وهكذا تم تقويض أساس العقل الحديث. لكن، إذا كان النقد العلمي هو السبيل الوحيد للاقتراب من الحقيقة، فلماذا لا يكون النقد سبيلا للاقتراب من حقيقة العلاقات بين البشر بهدف دمقرطتها؟ بعبارة أخرى، بما أن الطرح العلمي فرضية قابلة للنقد، فلماذا لا يكون القرار البشري قابلا له كذلك؟

نحن في حاجة إلى عقل جديد مبني على الاعتراف باحتمال خطأ الذات، لا على امتلاكها للحقيقة المطلقة. كما أننا أيضا في حاجة إلى خطاب منسجم مع طبيعتنا البشرية غير المعصومة من الخطأ. وليس هذا الأخير خطيئة، بل إنه من طبيعة الإنسان، وهو السبيل الوحيد إلى الاقتراب من الحقيقة.

وإذا انخرطت المدرسة في هذه الرؤية، فإنها ستساعد الفرد على بناء ذاته المنفتحة على العالم، والمحترمة للآخر الذي لا يمكنه توظيفها، والقادرة على التفكير قبل التصرف، والمتحكمة في انفعالاتها...

ينجم عن غياب النقد التوقف عن التفكير، مما يحرم الإنسان من النمو ولذة البناء والاكتشاف، ويقضي على الرغبة في المعرفة وحب الاستطلاع لديه... وعندما يكون الفرد أمام خيارات وبدائل مختلفة، ويكون في إمكانه التفكير في ممكنات عديدة وآفاق مختلفة، ينمو فضوله المعرفي. لكن عندما تنعدم هذه الإمكانية، تغيب لذة الاكتشاف والرغبة في المعرفة في آن واحد.

وحين يتأمل المرء في تدريس العلوم بمدرستنا، يجد أن هناك ميلا كبيرا إلى تدريس القوانين دون مساءلتها. وهكذا يغيب تدريس الفكر العلمي والحس النقدي، حيث إن كل من يكتفي بتعلم مضمون المبرهنات الرياضية Théorèmes mathématiques وقوانين الطبيعة وتطبيقها، لا يكتسب سوى تقنية لا روح فيها، كما أنه لا يتعلم التفكير، بل يميل إلى الخضوع.

تبعا لذلك، تقوم مدرستنا بتدريس العلم من حيث كونه معتقدا، إذ نادرا ما تقدم للتلاميذ برهنة على الحقائق العلمية، إن لم يكن ذلك منعدما، بل يطلب منهم تطبيقها بشكل آلي. نتيجة ذلك، لا يدرك المتعلم معاني العلوم التي يدرسها، بل إنها تتحول لديه إلى معارف محنطة لا حياة فيها. وهذا ما يحول دون اكتساب التلاميذ للفكر العلمي. بناء على ذلك، ينطبق على مدرستنا قول الفيلسوف "كورنيليوس كاستورياديس" Cornélius Castoriadis: إنه لا يتم تدريس البرهنة على المبرهنات في الرياضيات، بل إنها تقدم من حيث كونها معطى (...) ونتيجة يجب أن يؤمن بها التلاميذ لإنجاز تمارينهم. وهذا ما يصيبنا بالجنون، حيث تكمن الفائدة من الرياضيات، وخصوصا في التعليم الثانوي، في إدراك ما تعنيه البرهنة.

تنهض المقاربة العلمية على فكر البحث والاكتشاف المستمر، بمعنى الشك المبدع... وهذا هو الفكر العلمي السليم، كما أنه الفكر النقدي الخالص. ولا يمكن اكتساب هذا الفكر فقط بتعلم الرياضيات والفيزياء بشكل صوري يركز فقط على حل المعادلات بشكل ميكانيكي، من دون الاهتمام باستيعاب عناصر الظاهرة الفيزيائية... التي تشكل موضوعها. إننا نسقط في نسيان الواقع الذي يراد بسطه، إذ كثيرا ما يصير التجريد ضد الطبيعة، حيث إن الفيزياء، كما يشير إلى ذلك اسمها، هي بالضبط علم الواقع.

ينبغي أن يفعل التلميذ أكثر مما يسمع ويتقبل، ويجب أن تتوفر له الشروط الديداكتيكية ليستوعب ما يدرسه. فلا تضاف المعرفة إلى الذهن كجوهر أجنبي عنه، بل إنه يتمثلها بقواه الحية الخاصة به عبر بنائها. وعلى كل إنسان أن يجني معرفته بجهد عقله. هكذا يتم تطور الذهن بتنميته وتنظيمه، لا بما ينضاف إليه من الخارج. ولا تعتبر التربية السليمةُ الذهنَ جوهرا لا حياة فيه، بل تتعامل معه باعتباره روحا حيا. تبعا لذلك، يجب أن يفكر التلميذ بذهنه الخاص، كما يجب أن يصدح المُغَنِّي في جوقة بصوته الشخصي. فالتعلم هو القيام شيئا فشيئا باكتشاف معنى المادة الدراسية عبر الانخراط في إنتاج المعرفة، كما أنه التمكن من فهم الأسئلة التي تطرحها على ذاتها حول العالم، وكذا معرفة المناهج المستعملة في إنتاج المعرفة ضمن إطارها، والنظريات الكبرى التي تم تطويرها في مجالها. وتساعد هذه المقاربة على التقدم التدريجي في بناء المعرفة ومنحها معنى، لكنها عمل لا نهائي لا يمكن استنفاده.

لا تمارس هذه الطريقة عندنا في فهم العلوم وتدريسها. إننا نقبل بدون صعوبات التجريدات الرياضية أو تطبيقاتها التقنية والآلية. كما أننا نقبل الدواء الذي يعالج المرض، والطائرة التي تنقلنا من بلد إلى آخر، والحاسوب الذي يساعدنا على الإنجاز السريع للعمليات الحسابية المعقدة جدا، لكننا نرفض استيعاب المنهجية العلمية التي مكنت من الوصول إلى هذه الاختراعات. بناء على ذلك، إننا نفضل اليقين والمطلق، ولا نقبل الشك المبدع الذي يشكل قاعدة لتطور العلوم. كما أننا نرفض الفكر الذي يدرك التمايز بين الأشياء، والذي يشكل قاعدة العلوم الاجتماعية والإنسانية.

وهكذا، فإن مدرستنا لا تُدخل في اعتبارها المستجدات العلمية ولا طبيعة كل الحقول المعرفية التي تدرس بها، ولا كيفية إنتاج المعارف...، مما يحول دون مراكمتها لتجارب مفيدة تمنحها معنى...

 Conseiller à un ami

Vous ne pouvez pas poster de commentaire.