في حاجات المتعلم: محمد بوبكري
محمد بوبكري

في حاجات المتعلم

08/04/2015 16:36

إننا عندما نرجع إلى تاريخ التربية، نجد أن مسألة الغايات التربوية كانت تفرض نفسها عبر مختلف العصور، حيث كان الناس يتساءلون دائما عن نوعية الإنسان المراد تكوينه، وعن طبيعة القيم المرغوب في ترسيخها، وعن الكفايات التي ستحظى بالأولوية مستقبلا

محمد بوبكري

إننا عندما نرجع إلى تاريخ التربية، نجد أن مسألة الغايات التربوية كانت تفرض نفسها عبر مختلف العصور، حيث كان الناس يتساءلون دائما عن نوعية الإنسان المراد تكوينه، وعن طبيعة القيم المرغوب في ترسيخها، وعن الكفايات التي ستحظى بالأولوية مستقبلا. كما أنهم تساءلوا عن طبيعة المجتمع الذي يرغبون في إقامته، إذ نادى البعض ببناء مجتمع قائم على التنافس، كما دعا البعض الآخر إلى بناء مجتمع متضامن. وقد طرحت المجتمعات على نفسها أسئلة أخرى من نوع: هل سيتم العمل على تكوين الإنسان فقط في مجال العلوم الحقة والتكنولوجيات...، أم سيتم تكوينه في مجال الآداب والفنون والعلوم الإنسانية والاجتماعية، أم سيعطى له تكوينا يأخذ بعين الاعتبار كل هذه الحقول والمجالات...؟

لقد انتقل حقل التعليم من النهوض أساسا على تدريس الإنسانيات إلى خضوعه لهيمنة شبه مطلقة لتدريس العلوم الحقة والتكنولوجيا... وصار مطلوبا من المدرسة أن تمنح الأسبقية لتدريس اللغة الأم دون التخلي عن تدريس اللغات الأخرى ... ومن الأكيد أن التطور سيفرض عليها مستقبلا اختيارات أخرى.... لكن، هل يمكن للمدرسة أن تتنبأ بحاجات المجتمع لما بعد سنة 2025؟ إن التفكير في كل هذه الأمور أساسي جدا، لأن كل غاية تقتضي مجتمعا ونظاما تعليميا خاصين بها، قد يكون على النقيض من المجتمع والنظام التعليمي الذي ترمي إليهما غاية أخرى...

وإذا كان معلوما أن الغايات التربوية تُحَدَّد من قِبَلِ السلطة السياسية التي يجب عليها أن تشرك المجتمع بأكمله في هذه العملية، فلا ينبغي لهذا أن يمنع المدرسون من الانكباب على التفكير في الأسباب العميقة التي جعلتهم يمارسون التعليم، إذ يجب أن يتساءلوا كذلك عن نوعية التلاميذ الذين يرغبون فعلا في تكوينهم... وإذا كان العلم يرمي إلى الغوص في ما وراء المظاهر، فهل يجب أن يضطلع التعليم بهذا الدور، أم سيكرس نفسه من أجل نجاح التلاميذ في الامتحان فحسب، مما يمكن أن ينجم عنه ضياع معنى المدرسة؟

وبما أنه من غير الممكن فصل ما يتم تعلُّمه عن كيفية تعلُّمه، فإن ما هو مهم هو ما يربط بين مضمون التعلُّم وكيفية تعلُّمه. تبعا لذلك، فما هي العلاقة التي يرغب المدرسون في وجودها بين التلميذ ومختلف المواد الدراسية؟ هل هي علاقة استهلاك، أم علاقة إبداع، أم علاقة استخدام اجتماعي...؟ وهل يريدون تكوين أفراد مطيعين، أم يرومون تكوين أفراد مسؤولين يمتلكون فكرا نقديا وإبداعيا، ولهم قدرة على التكيف مع مختلف الأوضاع التي يفرضها عليهم التطور؟ وهل يكمن هدفهم في تكوين أفراد فعالين يفكرون بحرية فقط، أم مواطنين ينظرون مستقبلا إلى الخدمة التي سيقدمونها إلى مجتمعهم من حيث كونها أعظم إنجاز في حياتهم؟...

في سياق هذا التفكير نجد أنفسنا أمام السؤال التالي: هل ينبغي أن تكون الغايات التربوية التي يسعى إليها المدرسون معروفة من قِبَلِ المتعلمين؟ إنني أرى أنه يجب أن يعرف هؤلاء هذه الغايات نظرا وعملا، وخطابا وسلوكا، ما يمنحها تماسكا وترابطا... ويظهر لي أن هذا شرط ضروري لكي يكون لكل من التدريس والتعلم معنى.

تجدر الإشارة إلى أنه بعد تحديد الغايات، يتم الانتقال إلى تحديد المعارف المنسجمة معها، والتي تساهم في تحققها نسبيا. كما يتم تطوير الطرائق التدريسية وأساليب التقويم الملائمة لها... وأي تناقض بين هذه المكونات يؤدي إلى النسف الكامل للعملية التعليمية-التَعَلُّمية، ويُفقدها أي معنى...

لكن، عندما ننتقل إلى التطبيق العملي، نجد أنفسنا أمام السؤال الآتي: ما العمل كي يفهم التلميذ معنى الأهداف المعلنة من قِبَلِ المدرس؟ إن التلميذ لا يستوعب هذه الاهداف جيدا إلا بعد قيامه ببناء المعرفة التي يتعلمها...، كما أن المدرس عندما يغوص في التفاصيل، فإن التلاميذ لا يفهمون، حيث يفقدون التركيز والانتباه. أضف إلى ذلك أنه عندما يقدم إليهم أجوبة جاهزة، فإن المعرفة تكون معطاة من قِبَلِه ولم يتم إنتاجها من قبلهم، ما يحول دون انخراطهم في البحث المفضي إلى بنائها... وإذا ظل المدرسون متمسكين بالأهداف العامة، فإنها قد لا تعني أي شيء بالنسبة للمتعلمين، إذ لن تجد لها أي صدى في أنفسهم... ولكي يفهم التلاميذ المدرس، يجب إذن أن يبقى، بما يكفي، على المستوى العام، كما ينبغي أن يكون دقيقا، بما فيه الكفاية، لكي يمنح معنى لعمله. هكذا، يمكنه أن يساعد التلاميذ على معرفة معنى ما يتعلمونه؛ إما عبر توضيح الأفكار التي يرمي إلى إنجازها معهم، أو من خلال تقديم الفائدة من العمل الذي ستقوم به جماعة الفصل...، ما قد يغريهم ويجعلهم ينخرطون في العمل من أجل بناء معارفهم. وبقدر ما يتقدمون في بناء المعارف، بقدر ما يدركون معانيها، فتزداد رغبتهم فيها، ويسقطون في حبها، ويقيمون علاقة منتجة وسليمة معها...

للمتعلمين انتظارات Attentes وطلبات Demandes وحاجات Besoins، لكن غالبا ما يتم الخلط بينها. فما المقصود بكل واحدة منها؟

الانتظارات هي، في غالب الأحيان، عبارة عن رغبة واعية. كما أنها ليست مطالبة بحق، بل إنها تدخل في إطار نظام التمنِّي.

وعندما تكون للمتعلم انتظارات، فمن الممكن أن يتقدم بطلبات لتحقيقها، ويعلن عما يرغب في الحصول عليه. ويدخل هذا في إطار نظام التمني المُعَبَّر عنه. لكن يمكن أن تكون للمتعلم انتظارات دون أن يحس بالحاجة إلى التعبير عنها.. ومع ذلك، ينتظر من المدرس الاستجابة لها.

أما الحاجات فهي من طبيعة أخرى، حيث إنها تدخل في إطار نظام الضرورة. وتكمن المشكلة الكبرى في أنه ليس هناك وعي بالحاجات، حيث إنها تكون مجهولة من قِبَلِ المتعلمين. وغالبا ما يسود هذا في الفصل الدراسي وحتى في ورشات تكوين المدرسين. وفعلا، يمكن أن يكون المتعلم غير واع بحاجاته الحقيقية، إذ يدخل الوعي بها ضمن اختصاص المدرس أو المؤطر الذي يفهمها، أو يظن أنه كذلك. وهكذا، وبما أن المدرس هو الذي يعرفها، فينبغي أن يوفر الشروط الديداكتيكية لكي يكتشفها المتعلم ذاته...

ومن الملاحظ، من خلال الممارسة اليومية، أن المدرسين لا يفلحون، عموما، في الاستجابة لانتظارات التلاميذ وتوقعاتهم. فقد يستجيبون بسرعة، في أحسن الأحوال، لطلباتهم. كما أنهم غالبا ما ينخرطون فورا في تلبية الحاجات الفعلية، حيث يرون أن مقاربتهم هذه مفيدة للمتعلمين. لكن أغلب هؤلاء ليسوا دائما مستعدين فورا، وبدون بذل أي مجهود بيداغوجي من جانب المدرس، لتلقي عنصر معين عندما يكونون في انتظار عنصر آخر.

يفترض المدرسون حاجات التلاميذ أو يحدسونها، ويحاولون الاستجابة لها فورا، وذلك رغم أنه من المفيد، على الأقل في مرحلة أولى، المرور بانتظاراتهم. تبعا لذلك، فإن المشكل مطروح إذن على الشكل التالي: أليس ملائما البدء بالاستجابة إلى الطلبات، أي للانتظارات، بأكبر سرعة ممكنة، للوصول إلى جعل التلاميذ يكتشفون حاجاتهم الضرورية؟ إنه عندما يتمكن المدرس من توفير الشروط التربوية الملائمة، فإنه يستطيع تحويل الحاجات اللاواعية إلى انتظارات وطلبات، شريطة أن يبذل ما في وسعه لكي يحصل الوعي بذلك عبر خلق وضعيات بيداغوجية يكتشف التلاميذ من خلالها ما ينقصهم وما يغيب عنهم، أي ما هم في حاجة إليه فعلا...

قد يتم تنظيم تكوين للمدرسين من أجل دراسة كيفية مساعدة التلاميذ على التعلم. ولإنجاز ذلك، ينبغي أن تتوفر لهم الشروط الملائمة لكي يعبروا في البداية عن انتظاراتهم وتوقعاتهم، حيث تظهر بعض الطلبات وتختفي أخرى. وبعد المناقشة...، يسهل انخراط الجميع في تطوير إشكالية هذا التكوين.

يظهر لي، من خلال تجربتي في تأطير المدرسين والمؤطرين التربويين، أن أغلبهم يكون هدفهم الأساس، في البداية، هو الحصول على وصفات جاهزة ينتقلون تَوََّا إلى تطبيقها بسلاسة وبدون أدنى مشكل. وهم يرون أنهم على صواب في ما يرغبون في الحصول عليه، لكننا نكون مضطرين، في البداية، لمسايرتهم والاستجابة إلى طلبهم هذا. وفي هذه الحالة، نكون ملزمين بمحاولة تطوير وصفات وتمارين وأدوات وتقنيات... يرون أنها ملائمة للتلاميذ لكي يتعلموا التعلم. لكن هدفهم هذا لا يستقيم نظرا ولا عملا، حيث إن أغلب الدراسات البيداغوجية تؤكد أن تزويدهم بهذه الأدوات ليس فعالا، لأنه يُسقطهم في نزعة تقنية technicisme تحول دون إنتاج المتعلمين لمعارفهم وبنائهم لمعاني ما يتعلمونه. وبالرغم من ذلك، فإننا نتخلى مؤقتا عن وجهة النظر هذه، ونمنحهم هذه الأدوات والتقنيات... مع الحرص على ربطها بتحليل عميق يُمَكِّنهم من إدراك طبيعتها وحدودها وانعكاساتها... هكذا تكون البداية بمناقشة كيفية استعمال هذه الأدوات..، ونستمر في ذلك في ورشة التكوين إلى أن يكتشفوا محدودية تصوراتهم ومنزلقاتها...، ويعبروا عن رغبتهم في البحث عن طريقة مغايرة للتدريس... وهنا، يبدأ الانخراط فعلا في التكوين، حيث يأخذ هذا الأخير حجمه. فما هي إذن الإستراتيجية التي اعتمدناها؟ لقد بدأنا بالاستجابة لانتظارات المتكونين، وقد كان هدفنا هو جعلهم يعون، في نهاية المطاف، حاجاتهم الضرورية. وعندما ظهرت هذه الحاجات، وأخذت معناها عندهم، ظهر الطلب على تلبيتها، واستطعنا بعد ذلك السير جماعيا في اتجاه بناء شروط تربوية أكثر فعالية في التدريس...

تبعا لذلك، إنه لابد من معرفة انتظارات المتعلمين وطلباتهم حتى نتمكن من الانطلاق معهم منها بهدف جعلهم يُقبلون، عن وعي ومن تلقاء أنفسهم، على التخلي عن تصوراتهم غير المفيدة حول انتظاراتهم وطلباتهم. ويحدث ذلك عبر تطوير وضعيات بيداغوجية، تُدخلهم في علاقة سجالية Relation polémique مع ذواتهم (G. Bachelard). وهكذا، ينخرطون في مساءلتها، حيث يفكرون،  وكأنهم يصطدمون مع تمثلاتهم الخاصة التي ينظرون بها إلى العالم... (Paul Valéry). وهذا ما يُدخلهم في صراع معرفي داخلي يدفعهم إلى البحث عن إقامة توازن جديد، الأمر الذي سيساعدهم على تغيير شبكة تمثلاتهم الخاطئة لانتظاراتهم وطلباتهم، والتوصل إلى اكتشاف حاجاتهم الفعلية، والانخراط معرفيا وعاطفيا في تلبيتها. وهذا ما سَيُحَوِّلُهم إلى ذوات قادرة على التفكير والإبداع باستقلال عن الآخرين...

يكمن دور المدرس في الربط بين المعارف الكونية والأوضاع الخاصة لتلاميذه. وليست البيداغوجيا علما، بل يجب باستمرار إبداع طرائق إشراك التلاميذ في مغامرة المعرفة. ولا يتعلق الأمر فقط بمغامرة من قِبَلِ المتعلم، بل إنها أيضا مغامرة بالنسبة للمدرس ذاته، حيث يجب عليه أن يُنَوع طرائقه، ويبدع وسائل جديدة لتحفيز تلاميذه، ويعيد النظر في آرائه في حالة فشله بهدف جعلهم يعيدون النظر في ذواتهم ويفجرون العوائق التي تحول دون بنائهم لمعارفهم ويتجاوزونها... وتبعا لذلك، فإن المغامرة تهم المدرس أولا، إذ يجب أن تتولد لديه الرغبة في اكتشاف مختلف طرائق النفاذ إلى المعرفة. إنها عملية بحث مستمر، الأمر الذي يتطلب تكوينا مستمرا...

 Conseiller à un ami

Vous ne pouvez pas poster de commentaire.