محمد بوبكري : منطق إصلاح التعليم بالمغرب: Administrator User
Administrator User

محمد بوبكري : منطق إصلاح التعليم بالمغرب

08/04/2015 16:55

يلاحظ المتتبعون لشؤون التعليم ببلادنا أن المؤسسات المالية الدولية قد بدأت منذ نهاية السبعينيات تمارس ضغوطا على المغرب لتخفيض نفقات التعليم. وقد كانت هناك محاولات لتقليص تدفق الطلاب نحو التعليم العالي. لكن، على إثر احتجاج الطلاب، تم إلغاء ذلك في مناظرة إيفران التي انعقدت في صيف سنة 1980 . ومع ذلك لم يتوقف المسؤولون عن البحث عن صيغ لتقليص نسب الالتحاق بالتعليم العالي، فتفتقت عبقريتهم عن إحداث الأكاديميات الجهوية التي تم تكليفها أساسا بتنظيم الامتحانات، فسهُل عليهم تمرير قرارهم السياسي تحت عباءة القرار البيداغوجي، وتمكنوا من التحكم في نسب انتقال التلاميذ إلى التعليم العالي.

وبالرغم من ذلك، ظل المسؤولون يبحثون عن حلّ لتمويل التعليم عبر مقترحات تتحدث عن إلزام جهات أخرى بالمشاركة في تحمل “أعباء” هذا التمويل، فاستقر رأيهم على التراجع العلني عن "مجانية التعليم"، فتم تأسيس اللجنة التي أعدَّت ما سُمِّي بـ “الميثاق الوطني للتربية والتعليم” بهدف إلغاء مجانية التعليم وشرعنةِ ممارسة الانتقاء، لكن تم التراجع عن هذا الهدف تجنبا لردود فعل المجتمع. وصدر هذا “الميثاق” الذي لم يُعتمَد أي منهج سليم في وضعه ولا أية دراسات في تطويره، ما جعله عبارة عن شبه بيان عام منحت لفقراته أرقام، جعلته شبيها بنص تشريعي مليء بالتناقضات ومفتقد لأي أسلوب أو صيغ لترجمته في الواقع. وللتدليل على ما أقول، يكفي أن أشير فقط إلى أن هذا “الميثاق” لم يشر إلى أية فكرة حول انتشار الفكر الوهابي في المدرسة المغربية...

وأخيرا، بدأ الحديث في التعليم العالي عن التراجع عن مبدأ مجانية التعليم بطرق تتأرجح بين الصراحة والالتواء. وقبل ذلك طلع علينا السيد نور الدين عيوش وآخرون بدعوة إلى “التدريس بالدارجة”، ولما كشف الأستاذ عبد الله العروي وغيره من الباحثين عن استحالة ذلك، وعمّا ينطوي عليه هذا «المشروع» من مخاطر قد تقوض الوطن…، تم السكوت عنه، بعد اتخاذ ترتيبات كثيرة لنشر الدعوة إليه في مختلف أرجاء الوطن.

وتجدر الإشارة إلى أن التدريس بالدارجة سيؤدي لا محالة إلى انحطاط كبير في المستوى التعلُّمي والثقافي للتلاميذ…، ما سيضطر معه آباؤهم وأولياؤهم إلى سحبهم من المدرسة العمومية ونقلهم إلى التعليم الخصوصي. وهكذا ستفرغ المدرسة العمومية من التلاميذ، وسيتمكن كل هؤلاء المتربصون من الاستيلاء على عقاراتها وتحويلها إلى مدارس خصوصية. كما أنهم لن يتوقفوا عن ذلك، بل سيطلبون من الدولة إعفاءهم من الضرائب ومساعدتهم ماليا، حيث سيدَّعون أنهم يتحملون أعباء التعليم نيابة عنها.

وما يتم نسيانه – أو تناسيه – هو أن إخضاع التعليم في بلادنا لسياسة الخصخصة سيؤدي إلى إلغاء مجانية التعليم وتفاوت مستوياته…، ما سيشكل ضربة ثقافية واجتماعية ستلحق أضرارا جسيمة بالنسيج الاجتماعي الوطني برمته عبر تعميق الفروق الثقافية والاجتماعية بين المتعلمين..

لذلك، غدا مشروعا وصف مقترح سي عيوش بكونه “حركة انقلابية” تسعى إلى تدمير حقوق الإنسان و”السلم الاجتماعي”، ما سيهدد الوطن والاستقرار..

لقد أضحى التعليم عندنا الأداة المثلى لإعادة إنتاج المجتمع بكل إخفاقاته، بل وتعميقها. فهو يوجد دوما في مهب أعاصير السياسة، وما ينجو منها يقع في فخ التحلُّل الذاتي…

وإذا كان البعض يرى أن وجود الفقر في بلد ما يقترن دائمًا بضعف نظامه التربوي، فذلك لوجود علاقة جدلية بين الاثنين، إذ يؤدي المزيد من الفقر إلى مزيد من الضعف في التعليم، ويؤدي المزيد من ضُعف التعليم إلى مزيد من الفقر. لذلك، على الدولة أن تتولى دعم التعليم العمومي مهما كانت تداعيات حرية السوق، فضرورات الخصخصة لا تبيح محظورات التعليم التي يأتي على رأسها التخلي عن مجانية التعليم التي تعني إزالة المعوقات المادية أمام التلاميذ والطلاب لمواصلة تعليمهم بهدف تكوين أكبر قاعدة من المتعلمين للمشاركة في بناء المجتمع والوطن. كما أن المجانية ترتبط ارتباطا وثيقا بقضية “السلم الاجتماعي”.

إضافة إلى ذلك، إذا كان هؤلاء المتربصون بالمدرسة العمومية يتظاهرون بأنهم يقدمون خدمات للمجتمع بدون مقابل، فهم، في الواقع، يجنون أموالا طائلة مقابل “مشاريع” كارثية ترمي إلى ضرب القطاع العام لصالح القطاع الخاص، مما سيقصي أغلبية الشعب المغربي من أي تنمية ويعمق فقرها وجهلها… فتصبح الدولة مجرد مؤسسة لتحصيل الضرائب، ما سيمس بشرعيتها ويعصف بالاستقرار…

ورغم فشل سي عيوش وأصحابه في دعوتهم إلى “التدريس بالدارجة”، فهو، “بحكم كونه رجل أعمال”، لم يتوقف عن البحث عن مشاريع أخرى قد تجلب له أموالا. وهكذا، وبعد مرحلة صمت قصيرة، أطل علينا بـ “مقترح جديد” يدَّعي فيه امتلاك مشروع لتحديث المدرسة عبر تحويلها إلى “مدرسة رقمية”.

لقد كشفت الثورة المعلوماتية المستور في نظامنا التربوي، بل وكشفت المستور في سائر المجالات عبر تمكينها للمجتمع من المقارنة بين ما لديه وما لدى غيره. وإذا كان البعض يرى أن من الممكن مواصلة عمليات الإصلاح التربوي عندنا بمعزل عن الثورة المعلوماتية، فإن ما يتم إغفاله هو أن هذه الثورة تشرط نوعية الأهداف المرحلية للتعليم كما تشرط نوعية التأهيل التي ينبغي أن يقدمها هذا التعليم للمتعلمين…

لذلك، فبعد سماعي لكلام سي عيوش، تناسلت في ذهني الأسئلة الآتية: كيف انتقل السي عيوش من مشروع “التدريس بالدارجة” إلى مشروع “المدرسة الرقمية”؟! وهل يستقيم ذلك؟ وهل هناك انسجام منطقي بين هذين المشروعين؟ وهل سي عيوش رجل تربية أصلا؟ وهل يعي طبيعة المعارف؟ وهل يمتلك مشروعا تربويا؟ وهل له مؤلفات تربوية أكاديمية؟ وهل يمتلك منهاجا مدرسيا ذي تصورات ديداكتيكية خاصة بمختلف المواد الدراسية؟ وهل له معرفة بالتكنولوجيات التربوية؟ وهل هو مدرك لطبيعتها وما تُحدث من تحولات في علاقة الإنسان بذاته وبالآخر، وبالزمان والمكان، وبالمعرفة…؟ وهل يعي ما تقتضيه من تحولات بيداغوجية وديداكتيكية، ومن تجهيزات….؟ وهل له تصور لكيفية إدماجها في تدريس مختلف المواد الدراسية؟...

لا يمكن للإنسان إلا أن يقف إلى جانب تحديث المدرسة، لكن ما دام سي عيوش لم يقدم أي جواب على هذه الأسئلة وغيرها، فإنني أخاف أن يكون هدفه فقط هو الحصول على صفقات تذر عليه أموالا طائلة. ومن الخطير أن بعض المواطنين بدأوا يرون أن هذا الرجل قد بدأ يتحول شيئا فشيئا إلى “مؤسسة دستورية” فوق الحكومة والأحزاب والمجتمع..

إضافة إلى ذلك، يبدو لي أن الخطاب التربوي في المغرب يكرر ذاته باستمرار، حيث تطغى عليه الثنائيات: أصالة/ معاصرة، تأصيل/تغريب، عقل/نقل، مثال/واقع، إصلاح قمة التعليم/إصلاح قاعدته، كم/كيف.. بينما يكمن التقدم الحقيقي في تجديد الجدليات والطروحات...

وما دام التقدم في التعليم معدومًا أو بطيئًا جدا، فمن الطبيعي أن تستمر موضوعات الجدل إلى ما لا نهاية. ويعود ذلك إلى أننا لا نملك خططا أو استراتيجيات تربوية، وكل ما نملكه، في أحسن الأحوال، هو أفكار و”برامج” غير قابلة للأجرأة والإنجاز لأنها غير مدروسة بعمق… فعندما تكون التعريفات غامضة، فإن الكلمات الكبيرة تفقد الكثير من دقتها، وبذلك فالمادة الموءودة في تطوير تعليمنا هي منهج التفكير !. وهذا هو سبب كوننا لم نتمكن من تكوين شخصية التلاميذ والطلاب على نحو يجمع بين الفكر والمعرفة والقيم…

لقد تم تنظيم العديد من المناظرات وتشكيل العديد من اللجان لتدارس قضايا التعليم كان آخرها إنشاء المجلس الأعلى للتعليم وعقد سي عيوش لندوتين حول التعليم… ويبدو لي أن هذا يشكل أحيانًا نوعا من الهروب إلى الأمام من المشكلات التي يواجهها التعليم في الميدان.

كما أن وزراء التعليم عندنا هم جزء من السلطة، ولا يملكون أي مشروع، ولا معرفة بالواقع التعليمي، ولا صلاحيات ولا إمكانيات للقيام بإصلاح التعليم. فكل ما يفعلوه هو الانشغال ببعض المجالات الجزئية التي لا تسمن ولا تغني من جوع، بل إنها غالبا ما تتسبب في استفحال الأوضاع…

فضلا عن ذلك، فقضية التعليم ومؤسساته ترتبط بأوضاع المجتمع وسياساته وتتفاعل معها، حيث إن التعليم هو عملية سياسية بأوسع معانيها، كما أن السياسة أيضا هي عملية تعليمية بأوسع معانيها (باولو فرايري). ولا يسمح هذا الارتباط والتفاعل بإصلاح التعليم وتطويره بينما المؤسسات السياسية للمجتمع تقليدية محافظة على سياساتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إذ تنهض سياسات التعليم على توجهات سلطوية أبوية أو قبلية أو طائفية أو رأسمالية متوحشة. لذلك لا يمكن حصول تغيير في التعليم بدون إجراء إصلاح في المؤسسات السياسية..

لقد ارتبطت بداية التحول في التعليم البريطاني بثورة اللوردات في مطالبهم التي تجلت في شعار “لا ضرائب بدون تمثيل”، وكذلك كان حال تطوير التعليم في فرنسا بعد الثورة الفرنسية، بل وفى الصين أيضاً، وحتى في الدول النامية كالبرازيل وسنغافورة… هكذا، فإصلاح مختلف مؤسسات النظام السياسي هو ما يؤدي إلى تغيير جوهري في المنظومة التعليمية يفضي بدوره إلى بناء تعليم ديمقراطي لترسيخ مجتمع ديمقراطي.

 Conseiller à un ami

Vous ne pouvez pas poster de commentaire.