30/01/2017 21:49 | توفيق بنعمرو <bittaoufikSPAMFILTER@gmail.com> - ممارسة التدريس : الرياضيات
توفيق بنعمرو

ممارسة التدريس : الرياضيات

يميل إليها ويعشقها كثيرون وينفر منها ويبغضها أو يهابها ويتخوف منها آخرون. مقياس النجاح الدراسي والتميز العقلي ونضج الذكاء عند بعض المنظرين التربويين ومادة دون روح عند بعض الأدباء والشعراء. اقترنت بالفلسفة وتقاطعت معها في عصور قديمة

يميل إليها ويعشقها كثيرون وينفر منها ويبغضها أو يهابها ويتخوف منها آخرون. مقياس النجاح الدراسي والتميز العقلي ونضج الذكاء عند بعض المنظرين التربويين ومادة دون روح عند بعض الأدباء والشعراء. اقترنت بالفلسفة وتقاطعت معها في عصور قديمة، ولا زالت مشتركة معها في أبواب منها حيّز المنطق والاستدلال. تطوّرت وتشعبت مجالات استخدامها وتداولها في العلوم الأخرى وأصبحت ركيزة لا مَحيدَ عنها في جلّ مناحي الحياة الحديثة.

* لها أدوار في التعلم تخرج عن إطار محتواها كمادة دراسية مقرّرة فحسب، إلى أبعاد وعوالم فسيحة، فهي تنمي ملكات عديدة و تطوّر قدرات وكفايات هامة وأساسية في بناء شخصية وازنة سليمة رشيدة منها: التحليل و التجريد و الحدس و التخمين و التمثّل و الاستنباط و التخيّل و الاستدلال والاستنتاج و البرهان و التأويل و الترميز، و التسلسل المنطقي المنظم، و الحساب و بناء التصور وتشكيل و قولبة المفاهيم والمسائل والبنيات، ومتعة التعلم ومتعة التمرّن ومتعة البحث ومتعة الوصول للحل و متعة استعمال العقل والفطنة والذكاء ومتعة تذوّق حلاوة العلم.

* اختلفت طرق ومناهج ومقررات مناولة المادة في التدريس بين الإغراق في التجريد والبناء التسلسلي النظري، وبين التركيز على تقنيات الحساب والتطبيق وتقريب الاستعمالات والاستخدامات المباشرة في الميادين العملية. و للأسف الشديد وقع تخبّط في الموازنة بينهما و الأخذ منهما لأهميتهما معاً، فتَمَّ حذْفُ مقاطعَ من هذا و إضافة مقاطع من ذاك دون رؤية شمولية واضحة و لا فلسفة عميقة بيّنة الأهداف و المرامي، فأصبح البناء هشّاً بهندسة عشوائية و هيكل مترهّل، أساساته غير عميقة و لا صلبة، و طوابقه غير متوافقة و لا متطابقة، و نوافذه مُشْرَعة في اتجاهات متداخلة مشوّهة، و هذا تشبيه و توصيف واقعي لحالة تعلّم الرياضيات الآن.

* تدريس الرياضيات يتطلب جُهْداً بدنياً وعقلياً مُضْنِيين وتركيزاً وإعداداً كبيرين وحرفية ومهارة بارزتين، يواكب كل ذلك ميل وحب داخلي لها، وإلمام متين بدواخلها وبناءها النظري الأساسي واستشعار حقيقي وواقعي بقيمة المادة ودورها الكبير في تكوين شخصية المتعلم، وهي أمور فارقة في تحديد النجاح في ممارسة تدريسها والتفوق فيه.

* هي حاضرة في كل مراحل التعلم ولا تخلو شعبة ولا مسلك منها، بل تختلف عدد ساعات التدريس ومعاملها ومقرّرها فقط. و هنا تبرز قيمة الممارس و مهارته في تدريس ومقاربة ومناولة نفس المفهوم لشعبتين مختلفتين بمرامي متباينة، عليه أن يَتبيَّنَها و يستجليها قبل تدريس ذاك المفهوم، فمثلا درس نهايات الدوال عنوان مشترك بين شعبة الآداب و العلوم الإنسانية و العلوم التجريبية و العلوم الاقتصادية و العلوم الرياضية لكن بتفاصيل و مضامين مختلفة و الأهم من ذلك بأهداف غير متطابقة: فالمتعلّم في كل شعبة له نطاقه الفكري الخاص و طريقته في اكتساب المعرفة، و الشعبة في حد ذاتها لها فلسفتها الخاصة في التكوين و القدرات المنتظرة المستهدفة من المادة ككلّ، فالتدريس بنفس الأسلوب و نفس الطريقة لكل تلك الشعب و المستويات عمل غير سليم و يجافي الصواب.

* يَحسُنُ بالممارس لمادة الرياضيات أن ينوّع في مساره المهني الشعب و المقرّرات المدرّسة و لا يكتفي بالاختصاص في واحد أو اثنين، فسيجد في التنويع مجالاً لصقل الخبرة و التعرف على جمهور من المتعلمين مختلف و متباين، و سيظهر له مدى يُسْر الفهم عند البعض و صعوبة التعلم عند البعض و مجال التعثر عند آخرين في كل وحدة دراسية، يقيس عندها ما يصلح لكل نوع من التلاميذ و يتيسّر له التفاعل مع أنماط مختلفة من الإدراك فلا يحكم على الجميع بتدنّي المستوى أو ضعف الذكاء أو قلة كفاية الفهم، و إنّما يعطي لكلٍّ ما يصلح له بالقدر الذي يصلح له و في الوقت و المدى الذي يصلح له و هذا ما سيكون أنفعَ له. وعلى العموم فكلّما كانت المادة ضعيفةَ المُعاملِ في شعبةٍ كلما كانت الطاقة الإبداعية في التدريس ضرورية لكسب التجاوب وجلب الاهتمام والإقبال على التعلم وهذا وإن كان يبدو عسيراً فهو في حد ذاته تحدّي في الممارسة له متعته الخاصة والله الموفّق


Vous ne pouvez pas poster de commentaire.